الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

253

تفسير روح البيان

خبره قوله لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ اى هي بعينها دار إقامتهم لا انتقال لهم منها على أن في للتجريد لا للظرفية وهو ان ينتزع من امر ذي صفة امر آخر مثله مبالغة لكماله فيها كما يقال في البيضة عشرون منا من حديد وقيل هي على معناها اى للظرفية والمراد أن لهم في النار المشتملة على الدركات دار مخصوصة هم فيها خالدون جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ منصوب بفعل مقدر أي يجزون جزاء والباء الأولى متعلقة بجزاء والثانية بيجحدون وقدمت عليه لمراعاة الفواصل اى بسبب ما كانوا يجحدون بآياتنا الحقة أو يلغون فيها وذكر الجحود لكونه سببا للغو وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم متقلبون فيما ذكر من العذاب رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ اى أرنا الشيطانين اللذين حملانا على الضلال بالتسويل والتزيين من نوعي الجن والانس لأن الشيطان بين جنى وانسى بدليل قوله شياطين الانس والجن وقوله من الجنة والناس ويقال أحدهما قابيل بن آدم سن القتل بغير حق والذي من الجن إبليس سن الكفر والشرك فيكون معنى أضلانا سنا لنا الكفر والمعصية كما في عين المعاني ويشهد لهذا القول الحديث المرفوع ما من مسلم يقتل ظلما الا كان على ابن آدم كفل من دمه لأنه أول من سن القتل أخرجه الترمذي ويروى أن قابيل شدت ساقاه بفخذيه يدور مع الشمس حيث دارت يكون في الشتاء في حظيرة ثلج وفي الصيف في حظيرة نار نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا اى ندسهما انتقاما منهما لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ اى ذلا ومهانة أو نجعلهما في الدرك الأسفل من النار تشفيا منهما بذلك ليكونا من الأسفلين مكانا وأشد عذابا منا وفي الآية إشارة إلى أن النفوس إذا فنيت عن أوصافها بنار أنوار التجلي وذاقت حلاوة القرب تلتمس من ربها اطلاعها على بقايا الأوصاف الشيطانية والحيوانية التي جبلت النفوس عليها ليمكنها منها فتجعلها تحت أقدام همتها بافنائها فتعلوبها إلى مقامات القرب ليكونا من الأسفلين وتكون من الأعلون وهذا انما يكون في الترقي من مقام إلى مقام إذ بقية المقام الأدنى لا تزول الا بالترقي إلى المقام الأعلى وهكذا إلى نهاية المقامات فعلى العبد ان يجتهد حتى يخرج من الدنيا مع فناء النفس لامع بقائها فإنه إذا خرج منها بالفناء خلص من الجزع والا وقع فيه كما وقع الكفرة ولا فائدة في الجزع يوم القيامة وفي الآية تنبيه على أن الأخلاء يومئذ أعداء فالخليل للمؤمن في الدارين ليس الا اللّه وكان رجل له حبيب فتوفى فجزع عليه جزعا شديدا حتى صار مجنونا فذكر حاله لأبى يزيد البسطامي قدس سره فأتى اليه وهو مقيد في دار المرضى فقال له أبو يزيد يا هذا غلطت في الابتداء حيث أحببت الحي الذي يموت وهلا أحببت الحي الذي لا يموت فأفاق المجنون من جنونه واقبل على عبادة اللّه حتى صار من جملة الكبراء ( وفي المثنوى ) چون ز علت وارهيدى اى رهين * سركه را بگذار وميخور انكبين تخت دل معمور شد پاك از هوا * بروى الرحمن على العرش استوى حكم بر دل بعد أزين بىواسطه * حق كند چون يافت دل اين رابطه يشير إلى أنه لا بد من رياضة النفس إلى أن تتخلص من العلة فما دامت العلة فلتقنع بالخل فإذا ذهبت فقد حكم عليها القلب وليس شأنه الا ابقاء الحلاوى واطعام اللذائذ بل لو طهر السر عما سوى اللّه